
فقد قيلَ في الحكمِ والطرائفِ والأمثالِ: إن الجرأةَ كانت امرأةً فتزوّجَها العلمُ، وتحفّى بها وبالغَ في إكرامِها ورعايتِها، فولدتْ لهُ الحُمقَ، فقالَ: وا سوأتاهُ! نزعَ الولدُ إلى أمِّهِ الخبيثةِ! فبتَّ عقدَها وطلّقَها.
ثم تزوّجَها الجهلُ، وكان بعلًا سيئًا عنيفًا، جعلَ يمكرُ في أذاها كلَّ حيلةٍ، ويُغلظُ عليها بكلِّ سوءٍ، ويعسفُها عسفَ الأجيرِ دابّتَهُ، فلما ولدتْ ولدتْ لهُ السخريةَ.
فالجرأةُ تورثُ الحُمقَ من العالمِ إذا جهلَ، وتورثُ السخريةَ من الجاهلِ إذا علمَ.
وما أقبحَها من جرأةٍ يستخدمُها أناسٌ يجرحونَ ويؤذونَ ويسيئونَ، ويرونَ أنهم يمزحونَ!
قومٌ منَّ اللهُ عليهم بقدرةٍ على الكلامِ والبيانِ وضربِ الأمثالِ وربطِ الأحوالِ والتشبيهِ والمقارنةِ، فلم يشكروا نعمةَ اللهِ.
أوتوا بسطةً في ألسنتِهِم تُغريهم بالكلامِ، فهم لا يملّونَهُ أبدًا، ثرثارونَ متفيهقونَ، يتحدّرُ منهم الكلامُ متتابعًا بلا وعيٍ ولا فكرٍ عميقٍ، فتراهم يتصدّرونَ المجالسَ، ويمسكونَ بزمامِ الحديثِ، ويُلقونَ قذائفَهم على الآخرينَ سخريةً وتنمّرًا واستهزاءً واستنقاصًا واحتقارًا.
يتلمّسونَ نقائصَ إخوانِهِم، وينقّبونَ عن عيوبِهِم، قد غلبَ عليهم حبُّ الضحكِ حتى أماتَ قلوبَهم، فصارتْ خرابًا تسكنُها الغفلةُ وترتادُها الآثامُ.
وقد أعمَتِ الجرأةُ أبصارَهم عن تصوّرِ خطرِ ما يفعلونَ، وجُرمِ ما يصنعونَ، حتى تكادُ تجزمُ أن انفصالًا عظيمًا يقعُ بين أفعالِهِم وعقولِهِم، فتراهم يفعلونَ فعلَ المجانينَ، ويتكلمونَ كلامَ الحمقى والمخمورينَ، ويرسلونَ الكلامَ على عواهنِهِ بلا خوفٍ من نتائجِهِ ولا حياءٍ من آثارِهِ ولا خجلٍ من تبعاتِهِ.
هؤلاءِ المتنمّرونَ الساخرونَ – لا كثّرَهم اللهُ – لا بالشريعةِ التزموا، ولا للمروءةِ احترموا.
قالَ تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهم}
وجاءَ في كتابهِ أيضاً {يا حسرتا على ما فرّطتُ في جنبِ اللهِ وإن كنتُ لمن الساخرينَ}
وقالَ النبيُّ ﷺ: «إن من شرِّ الناسِ عند اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ من تركَهُ الناسُ اتقاءَ شرِّهِ».
فإن السخريةَ بالآخرينَ تقطعُ الروابطَ، وتبذرُ العداوةَ، وتولّدُ الرغبةَ في الانتقامِ، وتورثُ الأحقادَ والأضغانَ، وتفقدُ الوقارَ، وتسقطُ المروءةَ، وتميتُ القلبَ وتورثُهُ الغفلةَ.
فحريٌّ بك أيها الساخرُ المتنمّرُ أن تتأملَ عواقبَ أمرِكَ، وتتبصّرَ نتائجَ فعلِكَ، وتحطّمَ ما فيكَ من كِبرٍ على إخوانِكَ، ورغبةٍ في انتقاصِهِم والضحكِ عليهم والاستهانةِ بأقوالِهِم وأفعالِهِم وخِلقتِهِم وطبائعِهِم وأسرِهِم وأنسابِهِم ونحوِ ذلكَ.
وأن تحفظَ لإخوانِكَ مودّتَهم، وتستديمَ صداقتَهم، فعظماءُ الرجالِ يلتزمونَ في أحوالِهِم جميعًا ألا تبدرَ منهم لفظةٌ نابيةٌ، ويتحرّجونَ مع صنوفِ الخلقِ أن يكونوا سفهاءَ أو متطاولينَ.
{وقلْ لعبادي يقولوا التي هي أحسنُ إن الشيطانَ ينزغُ بينهم إن الشيطانَ كانَ للإنسانِ عدوًّا مبينًا}
